شبكة احرار الرافدين المستقلة

منتديات متخصصة بالشأن العراقي والعربي وأحداث الساحة العراقية والعربية وكل مايهم العراق
 
الرئيسيةكشف المستوراليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
مرحبا بكم في منتدياتكم منتديات احرار الرافدين
كم أتمنى أن تتسع صفحات منتدياتنا لقلمكم وما يحمله من عبير مشاعركم
تحياتي وتقديري واحترامي للاخوة والاخوات واهلا وسهلا بكم
 
مع تحياتي وتقديري 

ارجو ان يكون سعيكم الى خدمة الامة العربية وقضاياها المصيرية والعراق الجريح

مطلوب مشرفيين على أدارة الموقع
مركز تحميل الصور

شاطر | 
 

 قصة حقيقية من تأريخ الجزء الثالث تسليح الجيش العراقي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الآعلامي راهب صالح
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات : 411
نقاط : 1223
تاريخ التسجيل : 10/07/2011

مُساهمةموضوع: قصة حقيقية من تأريخ الجزء الثالث تسليح الجيش العراقي   السبت 14 يناير 2012, 11:20 pm

[size=16]تسليح الجيش العراقي


على أي حال كان نوري يشعر بأن الدفاع الفعال عن الشرق الأوسط يتطلب أن يجهز الجيش العراقي بنفس الأسلحة التي جهزت بها تركيا والباكستان (وفي هذه الإشارة العابرة من نوري عن الأسلحة التركية والباكستانية كان واضحاً أنه يعرف بعض الشيء عن مساعدات الولايات المتحدة لكل من تركيا والباكستان).


في اليوم التالي مباشرة، وبطلب من نوري زرته، مع العقيد فان أومر رئيس بعثة المساعدات الأميركية. وكان نوري رشيقاً في تلاعبه بالأسئلة مع العقيد، فقد أراد أن يعرف التوصيات التي أرسلها إلى واشنطن عن حاجات العراق وما هو نوع التجهيزات التي ستشتمل عليها الشحنات الأولى، وكيف يجري العمل بأسلوب الحصول على الأسلحة من خارج الولايات المتحدة (والتي بموجبها اشترينا أسلحة من الإنكليز لنعطيها للعراق) وماذا كانت تحصل عليها الباكستان من معدات وأسلحة. وبدا أنه كان مقتنعاً بالأجوبة التي كانت تعطى له.


ثم أراد أن يبحث في موضوع الدفاع عن المنطقة بصورة عامة. وكان يرى بأن الأمور الأساسية اللازمة لأمن الشرق الأوسط ضد الاعتداء السوفياتي تتم بتأمين سيل منتظم من الأسلحة الحديثة مع دوامها وتأمين احتياطاتها، وذلك في المنطقة الممتدة من القفقاس إلى خليج فارس. وهذا التحديد مع أنه بدا مقتضباً، فقد شمل كل شيء. ومن ضمن ذلك المساواة في المعاملة، فقد كان التأكيد من أن العراق سيعامل على قدم المساواة مع تركيا والباكستان.


وبعد أن انتهى البحث في هذا الموضوع كان نوري مستعداً للاسترخاء والانشغال بمحاورة خفيفة الظل. فسأل العقيد عما كان يفعله قبل قدومه إلى بغداد، وحين علم أنه كان في اليونان يعمل مع بعثة مساعدات عسكرية أيضاً سأله عن تجاربه هناك، وطلب رأيه بالجيش اليوناني. فامتدح العقيد الجندي اليوناني. وكان نوري يصغي بأدب مع بعض التفكه، وحين أنهى العقيد حديثه علق وهو يغمز تلك الغمزة المميزة المعروفة عنه حينما يكون منشرح النفس، وقال: إن هذا أمر مثير للاهتمام، فقد تبدل الزمان فعلاً، لأننا كنا في أيامنا السابقة في حرب البلقان نخشى البلغاريين ولم نكن نخشى اليونانيين بتاتاً.


تمهيدات لحلف بغداد


موضوع الدفاع عن الشرق الأوسط ضد العدوان الخارجي كان أمراً يشغل بال واشنطن لعدة سنوات قبل تعييني في العراق. وكان وزير الخارجية داليس يعطي هذا الموضوع حقه من التفكير، فقد تحرى مع قادة العالم الحر الآخرين مبدئياً إمكان تأسيس قيادة للشرق الأوسط مع منظمة للدفاع عنه. ومن بين البلاد العربية كان على مصر أن تلعب دوراً أساسياً في مثل هذه المنظمة. ففي آذار (مارس) 1953 قام الوزير فوستر داليس وهارولد ستاسن الذي كان مديراً للأمن المتبادل، بجولة استطلاعية شملت أحد عشر بلداً ومنطقة تمتد من منطقة البحر المتوسط الأوروبية إلى حدود الصين وآسيا. وحين بدآ بجولتهما ظهر سلفاً بأن مصر أو أي بلد عربي آخر ليس شديد الاهتمام بفكرة منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط، ومع ذلك فقد توقف الرجلان في سفرتهما في كل من مصر وسورية والأردن والعراق والعربية السعودية وليبيا وإسرائيل واليونان وتركيا والباكستان والهند.



«عراق نوري السعيد»: انطباعات «ولدمار غلمن» آخر سفير أميركي في العهد الملكي (5)



في الكتاب وصف للعراق ربما كان صالحا للاستخدام حتى هذه اللحظة. ويقول السفير ان وزارة خارجيته كانت تقول ان العراق مؤثر جدا في المنطقة، لكن علاقات الحكومة مع شعبها ومع جيرانها تنطوي على مشاكل كبيرة!


في 1 حزيران (يونيو) سنة 1953، أي بعد عودة داليس بمدة قصيرة، شرح الوزير انطباعاته في خطاب بالتلفزيون للأمة الأميركية بالاستنتاجات التالية:


ان منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط هي فكرة للمستقبل أكثر منها فكرة ممكنة التحقيق فوراً، فإن الكثير من بلدان الجامعة العربية مشتبكة في نزاعاتها مع إسرائيل أو مع بريطانيا العظمى أو فرنسا، ولذلك لا تبدي اهتماماً بخطر الشيوعية السوفياتية، وعلى اي حال فهناك اهتمام أكثر في البلدان القريبة من الاتحاد السوفياتي وبصورة عامة نجد أن بلدان النطاق الشمالي تدرك هذا الخطر.


وتوجد رغبة غامضة في قيام منظمة للأمن الجماعي، ولكن ينبغي أن لا تفرض مثل هذه المنظمة من الخارج، بل ينبغي لها أن تنمو وتزداد الرغبة لها من الداخل بدافع المصير المشترك والخطر العام. وبينما تنتظر الحكومة الأميركية تأسيس منظمة الأمن لهذه المنطقة فإنها تستطيع أثناء ذلك أن تساعد في تقوية الدفاع المشترك لتلك البلدان التي ترغب بتقوية نفسها، لا أحدها ضد الآخر أو ضد الغرب، ولكن لتقاوم التهديد المشترك لكافة الشعوب الحرة. هكذا انتهى حلم منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط واستعيض عنها بفكرة النطاق الشمالي، الذي عرف فيما بعد "بميثاق بغداد".


محادثات سرسنك


كان للشؤون الخارجية القسط الأوفر في المنهاج الذي أعلنه نوري يوم 4 آب (أغسطس) 1954 يوم عودته لتسلم الحكم. فقد كان يتابع عن كثب الاتفاقية التركية الباكستانية المعقودة يوم 2 نيسان (أبريل) 1954، والاتفاق التمهيدي الذي عقد بين بريطانيا ومصر في ما يتعلق بقاعدة قناة السويس بتاريخ 27 تموز (يوليو) 1954. كما تطلع إلى استبدال المعاهدة البريطانية العراقية المعقودة بتاريخ 30 حزيران (يونيو) 1930 بتسوية عريضة بين الدول المهتمة بالدفاع عن المنطقة. وهنالك دلائل أخرى كانت تشير إلى أن جزءاً كبيراً من تفكير نوري وجهوده أثناء رئاسته الثالثة عشرة للوزارة كانت ستبذل لموضوع علاقات العراق مع جاراته ومع الغرب.


وبعد استلام نوري الحكم ببضعة أيام أعلنت وزارة الخارجية بأن الصاغ صلاح سالم وزير الإرشاد القومي المصري سيصل إلى بغداد يوم 13 آب (أغسطس) بزيارة لمدة خمسة أيام. وستكون معه جماعة من عشرين شخصاً، وبان الجماعة سيزورون الملك فيصل وولي العهد الأمير عبد الإله في بيتهما الصيفي في "سرسنك" في شمال العراق. وانهم يعودون إلى بغداد بعد يومين أو ثلاثة.


وكان قد تم التوقيع على المعاهدة البريطانية المصرية في ما يتعلق بالسويس يوم 27 تموز (يوليو)، وربما كان هذا هو الدافع الذي دفع مصر لأن تقترح عقد الاجتماع لبحث العلاقات العربية. أما كيف عرض المصريون موضوع الزيارة للعراقيين فذلك أمر غير واضح. ولكن وزارة الخارجية العراقية أعلنت وقت وصول صلاح سالم بأن نوري سيستغل هذه المناسبة ليستعرض السياسة الخارجية للعراق "وليس السياسة العربية".


وقد حضر نوري المباحثات في سرسنك كما اتصل بجماعة سالم في بغداد بعدها. وقد كان البيان المشترك يشير إلى أن المباحثات اتسمت "بالصراحة" و"الروح الأخوية"، وتم التوصل إلى "التعاون العربي" وأوضاع العرب في "القضايا الدولية". ولم يتطرق أحد إلى تفاصيل أكثر من هذا، كما أن صلاح سالم في مؤتمره الصحفي الذي عقده بعد صدور البيان المشترك لم يوضح أكثر من ذلك. فقد سأله الصحفيون عن نوع المباحثات التي جرى البحث فيها مع نوري إلا انه اعتذر عن الإجابة، وقال: إنه لا يمكن إضافة شيء إلا بعد إجراء مباحثات أخرى مع زعماء عرب آخرين، ولكن خلاصة المباحثات كما أوضحتها وزارة الخارجية كشفت بأن المصريين يناوئون الاتفاقية التركية الباكستانية الإيرانية، أو أية اتفاقيات مشتركة تستند على الباكستان كأساس.


وكانت وجهة نظر المصريين هي أن الباكستان لا توجد لها رابطة عامة تربطها بأية دولة عربية عسكرياً أو جغرافياً. وسأل المصريون نوري إذا كان لديه اقتراح آخر حول الموضوع، اقترح اعتماد ميثاق الضمان الجماعي العربي على أساس المادة 51 من ميثاق هيئة الأمم، فيستعمل هذا الميثاق كقاعدة لميثاق دفاعي تكون العضوية فيه مفتوحة للدول غير العربية: كتركيا، وإيران، والباكستان، وبريطانيا، والولايات المتحدة. وذكر نوري بأن المصريين رحبوا بهذا الاقتراح.


والقى نوري ضوءاً آخر على محادثات سرسنك في خطاب ألقاه في مجلس النواب يو 6 شباط (فبراير) من السنة التالية حين استعرض الرسائل المتبادلة التي سبقت إعلان دخول تركيا والعراق في ميثاق أمن متبادل، وبين في ذلك الخطاب أن الاتفاق قد تم على النقاط التالية:


1 - يفكر كلا الفريقين في تقوية ميثاق الضمان الجماعي.


2 - يتعاون الفريقان في مكافحة المبادئ الهدامة، وأن على مصر أن تقوم بإرسال بعثة إلى بغداد لتبادل المعلومات مع الخبراء العراقيين حول الموضوع.


3 - وكذلك تم الاتفاق على التفكير بإعادة تنظيم السكرتارية العامة للجامعة العربية.


4 - وأن يتبادل رئيسا أركان الجيش في البلدين الزيارات.


5 - وبقصد رفع مستوى المعيشة يجري تبادل المعلومات في الشؤون الاقتصادي والثقافية والاجتماعية.


ولا يعرف فيما إذا كان سالم وجماعته متحسمين حقاً لخطة نوري في توسيع ميثاق الضمان الجماعي، أم ان نوري لشدة حماسته في الموضوع استنتج أكثر مما يلزم من تقبلهم آراءه بأدب، ولكن اتضح لنوري عند عودة سالم للقاهرة بأن ناصر لن يفعل شيئاً من هذا القبيل.


في أيلول (سبتمبر) سافر نوري ثانية إلى لندن لأسباب صحية، وربما لجس النبض حول إمكان إنهاء معاهدة سنة 1930 البريطانية، وقرر أن يتوقف في القاهرة ليرى عبد الناصر، وان يتوقف عند عودته إلى بغداد في استانبول ليرى رئيس الوزراء مندريس ويبحث معه في دفاع المنطقة. وفي مباحثاته مع عبد الناصر ظن نوري بأن عبد الناصر سيسنده، واعتقد بأن قرب العراق من حدود الاتحاد السوفياتي يجعل ناصر موافقاً على إجراءات العراق حول تدابير أمنه المتبادل، ولو خارج النطاق العربي إذا اقتضت الضرورة، ليشمل تركيا وإيران وبريطانيا والولايات المتحدة. وقد اعتبر نوري بأن اتفاقاً كهذا يمكن مقارنته بالاتفاق المصري – البريطاني حول قاعدة السويس، ذلك الاتفاق الذي خول بريطانيا إعادة احتلالها قاعدة القناة في حال وقوع هجوم سوفياتي على تركيا. ولكن اتضح في النهاية أنه لم يكن يوجد توافق في الرأي حتى على هذا الأساس. أما محادثات نوري مع مندريس فقد اتجهت اتجاهاً أفضل وأسعد.


محادثات نوري – مندريس


في 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 1954 وبعد عودة نوري ببضعة أيام من استانبول، قابله مراسل "الصندي تايمس". وفي يوم 2 تشرين الثاني (نوفمبر) نقلت الصحف العراقية على لسان نوري بأنه قال لذلك المراسل:


"إننا لسنا أقوياء بدرجة نستطيع معها مساعدة الآخرين، ولكننا نحاول أن نجد الوسائل لنوفق سياستنا الخارجية مع بنود الميثاق التركي الباكستاني. وكل ما نستطيع عمله في الوقت الحاضر هو تنظيم الدفاع عن العراق بالتعاون مع الدول المجاورة".


ولحسن الحظ استطاعت سفارتنا في بغداد أن تحصل على تفاصيل محادثات استانبول بنفس الوقت الذي ادلى به نوري السعيد بحديثه الآنف الذكر. كما أن نوري السعيد نفسه تكرم فزود السفارة بموجز لتلك المحادثات، وخلاصتها أنها تبدأ بملاحظة وضع العراق في نطاق أمن الشرق الأوسط، وتقول إن أمن العراق يرتبط بأمن كل من تركيا وإيران، وان الاتفاقية المصرية مع المملكة المتحدة المتعلقة بقاعدة السويس التي تستهدف صد العدوان على الدول العربية أو تركيا تعني بأن مصر هي أيضاً في طريقها للتعاون مع تركيا. والواقع أن نوري ألح مراراً على دول الجامعة العربية بضرورة تعاونها مع تركيا.


وفي أثناء زيارته للقاهرة أكد على الموضوع نفسه مع الحكومة المصرية. وكان مسروراً أن مصر تقبلت هذا الاقتراح، وأنه أوضح لها أن أضراراً كثيرة قد تحدث للعراق إذا تأخر في تحقيق التعاون مع تركيا. وجلب الانتباه إلى المنافع التي ستنتج عند اشتراك إيران وسوريا في هذا التعاون، وبأن اشتراك سوريا بحد ذاته سيشجع الدول العربية الأخرى على التعاون مع تركيا.


وكان مندريس مرتاحاً لسماع هذه الآراء من نوري، وقال بان تركيا تريد أن تبرهن على إخلاصها للدول العربية، وأن تركيا لم تقم بذلك من قبل، لأنها لم تكن تستطيع أن تدرك رد الفعل. وكان من رأي مندريس بان التعاون بين أقطار المنطقة إذا أمكن تحقيقه، فإن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ستزدادان ميلاً إلى توسيعه. وسره أن يحمل نوري نفس الفكرة.


«عراق نوري السعيد»: انطباعات «ولدمار غلمن» آخر سفير أميركي في العهد الملكي (6)


(صوت العراق) - السعيد كان قلقا من نجاح «الشيوعية» و «الصهيونية» في منع تقارب العرب وتركيا


النقاط التي اتفق عليها كل من نوري ومندريس دونت كما يلي:


1- ان سلامة تركيا والعراق تتطلبان إنشاء تعاون مع جيرانهما: وأن أحسن حل لذلك يتم باشتراك جميع الدول العربية مع إيران والباكستان.


2- وأن المحاولات ستبذل أثناء المحادثات التي كانت كل من تركيا والعراق مصرة على إجرائها مع مصر، وأن تسعى الدولتان لإشراك مصر بهذه المجموعة.


3- يستمر الاتصال بين تركيا والعراق على أمل ترتيب محادثات مع سوريا وإيران والباكستان.


4- أوضح نوري بأن دور العراق في الخطة الدفاعية سيكون:


(أ) حماية الممرات الشرقية ضد الهجمات البرية المعادية.


(ب) حماية آبار النفط ضد الغارات الجوية والذرية.


(جـ) تسهيل وتأمين وصول المساعدات المتجهة لتركيا عن طريق العراق.


5- كما أوضح نوري لمندريس بأنه يجب اتخاذ التدابير ضد الدعايات الشيوعية والصهيونية التي تستهدف منع التقارب بين البلاد العربية وتركيا. فوافق مندريس على هذا، واضاف بأن التدابير التي سبق أن اتخذت، ولاسيما في العراق ومصر، قد سببت ارتياحاً عظيماً في تركيا.


6- واخيراً تم الاتفاق على ضرورة المساعدات المتبادلة في الحقل الاقتصادي بصورة أكثر فاعلية مما جاء بالاتفاقية السابقة حول التعاون الاقتصادي والثقافي المعقودة سنة 1946.


ومن الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من محادثات تشرين الأول (أكتوبر) مع مندريس كما رواها نوري، تبديد مخاوفه السابقة من وجود نوايا غير ملائمة من جانب تركيا. ومع أن خطته للعمل في المستقبل لم تكمل بتفاصيلها، فإن الاتفاق مع تركيا كان في دور الإعداد. ومع ان نوري كان يذكر الصهيونية والشيوعية معاً، إلا أنه كان يعتبر أن التهديد السوفياتي أعظم خطراً واقرب وقوعاً. وقد سمع عنه انه قال ان خمساً وتسعين بالمئة من الرأي العراقي العام يعتبر خطر إسرائيل أعظم من خطر الاتحاد السوفياتي، ومع ذلك وقف هو مع الأقلية التي لا ترى ذلك، وفي هذا كما في شؤون أخرى كانت لنوري الشجاعة للتمسك برأيه.


وفي بيانه الذي نشره في 4 آب (أغسطس)، ذكر نوري الميثاق التركي الباكستاني والاتفاق التمهيدي البريطاني المصري والمعاهدة البريطانية العراقية لسنة 1930 حسب الترتيب السابق. فالاتفاق التركي الباكستاني شجع نوري ليتبادل الرأي مع مندريس، واعتبر ان الاتفاق الإنكليزي المصري كما ظهر من خلاصة محادثاته مع مندريس كان عاملاً مشجعاً على اتصاله بتركيا لصالح الدفاع عن المنطقة. ولما كانت مصر في طريقها لرسم علاقاتها مع بريطانيا على أسس واقعية، فقد شعر نوري أن الوقت قد حان للعراق أن يقوم بالعمل نفسه، فأعلن في 15 أيلول (سبتمبر) أمام مجلس الأمة بأن حكومته ستنهي المعاهدة مع بريطانيا تمهيداً لانتهاء مفعولها في سنة 1957. وقد وعد بأن يخبر مجلس الأمة في شباط (فبراير) أو في آذار (مارس) على الأكثر كيفية إنجاز ذلك وعن كيفية رسم العلاقات المستقبلة مع المملكة المتحدة.


وبعد هذا الخطاب بمدة قصيرة أدلى نوري بأقوال أكثر تفصيلاً أمام لجنة الشؤون المالية في مجلس الأمة، فقال ان المملكة البريطانية أحيطت علماً بأن العراق لا ينوي تجديد معاهدة 1930، وأن العراق لا ينوي استبدالها بمعاهدة مشتركة، كما جرت العادة قبل الحرب العالمية الأولى، كما أن العراق سيسترشد بالمادتين 51، 52 من ميثاق هيئة الأمم المتحدة في أية مفاوضات يجريها، لما تشتملان عليه من مبادئ الدفاع وإدامة السلام، وكما تقوم به الدول المستقلة في انحاء العالم. وبنفس الوقت سيهتم العراق بسلامة الأقطار المجاورة كتركيا وإيران، لأن سلامتهما تنطوي على سلامة العراق والعكس بالعكس. وكذلك على العراق أن يأخذ بنظر الاعتبار ميثاق الضمان الجماعي العربي بسبب تهديد إسرائيل للبلدان العربية. ولكن على اي حال لن يلتزم العراق بالتزامات أو مسؤوليات خارج حدوده إلا لمقتضيات ميثاق الضمان العربي.


المعاهدة موضوع البحث هذا كانت تعرف بمعاهدة "التحالف والصداقة". وقد وقع عليها في سنة 1930 واشترط فيها ان تنفذ اعتباراً من تاريخ دخول العراق عصبة الأمم، وأن تبقى نافذة المفعول لمدة خمس وعشرين سنة. وقد صار العراق عضواً في العصبة بتاريخ 3 تشرين الأول (أكتوبر) 1932، ولذلك فإن مفعول المعاهدة ينتهي في خريف 1957. ومع أن هذه المعاهدة اشترطت دخول العراق عصبة الأمم وإنهاء الانتداب البريطاني، فإن الرأي العراقي العام لم يكن راضياً عنها. والعراقيون كانوا يستنكرون احتفاظ بريطانيا بقاعدتين جويتين في الحبانية والشعيبة، وحق استعمال المواصلات العراقية لنقل قطعاتها وأسلحتها عبر أراضي العراق. وكانوا يعتبرون هذه الشروط ماسة بلسطانهم. ونوري الذي يتحسس معنى ذلك، اعتبر عند عودته في آب (أغسطس) 1954 بأن الوقت حان لتبديل الوضع. وكان يشعر بأن المعاهدتين الموقعتين بين تركيا والباكستان وبين مصر وبريطانيا في أوائل تلك السنة، قد مهدتا الطريق لذلك.


هذه التطورات في ميدان الأمن الجماعي تلاها في اوائل كانون الأول (ديسمبر) تصريح بان مندريس سيزور بغداد في كانون الثاني (يناير) 1955، للاستمرار بالمحادثات التي بدأت مع نوري في استانبول خلال شهر تشرين الأول (أكتوبر). وبين سماعي بذلك ووصول مندريس يوم 6 كانون الثاني (يناير) أجريت ثلاث مقابلات مع نوري، انحصرت كلها تقريباً في موضوع الأمن. وقد أردت أن أحصل منه على فكرة واضحة وتامة على قدر الإمكان عن آرائه، قبل وصول مندريس.


في المحادثة الأولى أكد نوري أنه وجد أن العمل مع الباكستانيين مرضياً كالعمل مع الأتراك، الذين خبرهم نوري لمدة طويلة. وواضح ان الاتراك والباكستانيين كانا على قدم المساواة في التخطيط. وأكد نوري أن مندريس سيصل إلى بغداد في الأسبوع الأول من كانون الثاني (يناير)، وبعد زيارته لبغداد سيذهب إلى القاهرة، وهذه خطوة معقولة لأن مندريس سيكون الرجل المناسب الذي يعطي عبد الناصر "الدفعة" الضرورية نحو التعاون في التصميم. وكان نوري يأمل أن يقوم الملك فيصل بزيارة مصر بعد مندريس، ويقوم بإعطاء عبد الناصر الدفعة الثانية في ذلك الاتجاه.


ولدى سؤاله عما يرى من تأثير على العلاقات بين العراق والدول العربية في حالة توقيع العراق على الميثاق مع دول غير عربية، أجاب نوري أنه لن يتردد في عقد مثل ذلك الاتفاق، لأن عدة دول عربية سبق لها أن صارت طرفاً في مثل تلك الاتفاقية. وضرب مثلاً بالأردن والعربية السعودية. وفيما يتعلق بالأردن كان يقصد معاهدة التحالف المعقودة بين بريطانيا والأردن في 15 آذار (مارس) 1948، وفيما يتعلق بالعربية السعودية كان يقصد اتفاق 18 حزيران (يونيو) 1951 والاتفاقيات التي تلتها مع الولايات المتحدة. حول استخدام مطار الظهران والمساعدات العسكرية.


وفي محادثتي الثانية مع نوري حول موضوع زيارة مندريس لم أجده متفائلاً باتفاقية كانون الثاني (يناير). فهناك الكثير من الأسئلة التي تتطلب إيضاحاً. وبالاختصار كان نوري راغباً في عقد ميثاق للمنطقة يستند على المادتين 51، 52 من ميثاق هيئة الأمم، ولكن كان عليه قبل ذلك أن يعرف مدى استعداد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لتوسيع التزاماتهما بميثاق شمال الأطلسي، التي كانت تشمل تركيا، ولكن ماذا سيكون شأن العراق؟


وفي محادثتي هذه معه، عبر عن قلقه العميق بشأن الفراغ الموجود في الشمال بين تركيا والباكستان. وكان يتمنى أن يكون حراً ليفعل شيئاً بشأنه. وكان متردداً بالدخول باتفاق مع تركيا ما لم تكن كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة طرفين فيه. وكان يخشى من رد فعل مصري فيما إذا اقدم العراق وحده على توقيع اتفاق مع تركيا. وكان منزعجاً للوضع السياسي في سوريا بسبب الدعايات اليسارية والاستفزازات، وكان يقول إنه يحتاج لمزيد من الوقت ليفكر ويصمم.


وفي محادثتي الثالثة مع نوري في الاستعداد لزيارة مندريس بحثنا في احتياجات الجيش العراقي. وقد قلت لنوري بأنا نشعر بان العراق يستطيع الاحتفاظ بجيش بحجمه الحالي، وربما بحجم أكبر، ويغذيه من منابعه الخاصة. وقد اتفقنا بأن النفقات الإضافية اللازمة لأي توسع كبير في الجيش لابد أن تؤمن من المبالغ المرصدة لمنهاج الإعمار. ومثل هذا التدبير يعطل ذلك المنهاج، وهو أمر نأسف له بقدر ما يأسف له نوري. ولذلك فقد كنا نستعرض الاحتياجات الآتية للجيش العراقي مع البريطانيين، لنعرف ما نستطيع تأمينه له بواسطة مشترياتنا الخارجية من المملكة المتحدة. وقلت له أنني آمل أن استطيع إعطاءه صورة عن الموقف قبل مرور وقت طويل، وأن اي قرار حول مبلغ المعونة سيتأثر بما سينجز من الأعمال في الترتيبات الدفاعية عن المنطقة، وبقدر المدى الذي يستطاع فيه جعل المواصلات المحلية مفيدة لدفاع العالم الحر بصورة عامة.
[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://raheb-iraq.yoo7.com
 
قصة حقيقية من تأريخ الجزء الثالث تسليح الجيش العراقي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شبكة احرار الرافدين المستقلة :: الرقيب السياسي-
انتقل الى: