شبكة احرار الرافدين المستقلة

منتديات متخصصة بالشأن العراقي والعربي وأحداث الساحة العراقية والعربية وكل مايهم العراق
 
الرئيسيةكشف المستوراليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
مرحبا بكم في منتدياتكم منتديات احرار الرافدين
كم أتمنى أن تتسع صفحات منتدياتنا لقلمكم وما يحمله من عبير مشاعركم
تحياتي وتقديري واحترامي للاخوة والاخوات واهلا وسهلا بكم
 
مع تحياتي وتقديري 

ارجو ان يكون سعيكم الى خدمة الامة العربية وقضاياها المصيرية والعراق الجريح

مطلوب مشرفيين على أدارة الموقع
مركز تحميل الصور

شاطر | 
 

 قصة حقيقية من تأريخ الجزء الثاني سلالة نوري السعيد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الآعلامي راهب صالح
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات : 411
نقاط : 1223
تاريخ التسجيل : 10/07/2011

مُساهمةموضوع: قصة حقيقية من تأريخ الجزء الثاني سلالة نوري السعيد   السبت 14 يناير 2012, 11:18 pm

[size=16]سلالة نوري السعيد


أعطاني أحد زملائي من الذين خدموا قبلي ببضعة سنوات في بغداد هذه الصورة الانطباعية عن نوري: إنه كردي المولد، تركي الثقافة، عراقي المهنة، هذا الاختصار الجذاب مقتضب أكثر مما يلزم، وإني أذكره هنا لانه يدعو إلى التساؤل حول نشأة نوري الحافلة بالحوادث، وإلى تجاربه المختلفة وسجيته المعقدة. إني لا أدري كم من الدم الكردي يجري في عروق نوري، ولكن أصدقاءه العراقيين يقولون إن فيه قسطاً من ذلك الدم، ومما لا شك فيه أن لهذا الرجل خواص كردية مثالية: كالقوة البدنية، والقوة المعنوية والشجاعة.


ولد نوري سنة 1889، ولكن ليس في كردستان، فقد كانت بغداد مسقط رأسه. ويبدو هذا مناسباً أكثر لأنه قضى جل حياته في خدمة العراق. ويعتقد أن عائلته كانت تعرف أسلافها التي استوطنت بغداد منذ ثلاثمائة سنة، إلى أن صار رئيس العائلة الرجل المعروف بالملا لولو، وهو من السنة. وفي أحد الأيام شعر بمهانة عظيمة حين قام جنود الفرس من طائفة الشيعة المناوئة، بربط خيولها في مسجده. فسافر لولو فوراً وحده إلى استانبول ليخبر بذلك السلطان نفسه. ثم عاد ومعه جيش طرد المعتدين الأجانب بعد أن قتلوا زوجته وأطفاله. فهب السلطان لمساعدته ثانية، وأرسل إليه زوجة جديدة. وهي فتاة تركية من الحرم السلطاني، كما أمر له بمخصصات شهرية يستمر دفعها له ولعائلته من بعده. وبالرغم من هذا الارتباط القديم باستانبول فإن العائلة قبلت واحترمت في بغداد كعائلة عربية.


كان نوري السعيد صغير السن جداً حين ابتدأ تعليمه، وقد أنهى تعليمه الأولي عند "الملا" في مدرسة أطفال محلية في الثامنة من عمره. وكان ذلك التعليم يتركز على الحفظ عن ظهر قلب. وهذا يفسر حافظته القوية جداً، التي كانت بارزة حتى أواخر أيام حياته. وكان أبوه السيد طه أحد الموظفين المدنيين المحترمين في خدمة الحكومة التركية فشعر بأن عليه أن يقرر مبكراً هل يهيئ ابنه للحياة المدنية أو للحياة العسكرية. وكانت المناصب المدنية العليا في الحكومة محجوزة للأتراك من استانبول، أما الخدمة العسكرية فقد كانت مفتوحة من أعلى درجاتها لجميع الناس في الإمبراطورية. ولابد أن هذا الاختبار كان موفقاً، فقد دخل نوري السعيد في المدرسة الابتدائية العسكرية مباشرة، ويقال بأنه ألف هذه الحياة من البداية.


وفي سنة 1903 ونوري لم يكمل الرابعة عشرة بعد، سافر من بلده إلى الكلية العسكرية في استانبول. فقد كان نجاحه حسناً بالرغم من أن عمره كان يقل بسنتين عن أعمار معظم زملائه في صفه، وبعد وصوله إلى استانبول بمدة قصيرة توفي والده. وكانت أمه في بغداد منشغلة بالعناية بأخواته، ولذلك فقد ترك نوري وشأنه ليدبر نفسه بنفسه. وقد قام بذلك خير قيام في ظروف الحياة العسكرية الصعبة ومتطلباتها.


عراق نوري السعيد»: انطباعات «ولدمار غلمن» آخر سفير أميركي في العهد الملكي (3)


في أيلول (سبتمبر) سنة 1906 تخرج وحصل على رتبة ضابط وهو في الثامنة عشرة. ثم عاد إلى العراق حيث عين في إحدى وحدات المشاة الراكبين التي لم تكن مشغولة حينذاك بالعمليات العسكرية، ولكن كانت مكلفة بعملية ممجوجة هي جمع الضرائب على المواشي من العشائر الرحالة. وبقي في هذه الوحدة أربع سنوات، ولا نعلم كم جمع من الضرائب، ولكنه تعرف إلى المناطق العراقية. ثم عرف طريقة حياة الشيوخ وعشائرهم، وفي هذه الأثناء تزوج فتاة من العائلة العراقية المعروفة، عائلة "العسكري".


دخول عالم السياسة


وفي سنة 1910 استدعي نوري إلى استانبول ليتابع دراسته العسكرية، إذ وقع الاختيار عليه ليدخل كلية الأركان. وفي سنة 1912، اثناء حرب البلقان، بدأت خدمته العسكرية الفعالة. فقد اشترك في الحملة الموجهة ضد البلغاريين. وزارة الخارجية، وتستند كتابتي على مذكراتي الشخصية وخلال هذه السنوات لم يكن نوري السعيد شغوفاً بالأمور العسكرية فقط بل صار يتذوق الأمور السياسية أيضاً. كانت قد بدأت الحملة الإصلاحية المعروفة بحركة "تركيا الفتاة" خلال خدمة نوري كتلميذ عسكري في استانبول، وزاد نشاط هذه الحركة خلال السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى. وكان لها رد فعل بين الشعوب العربية في الإمبراطورية، إذ رأت تلك الشعوب فيها مجالاً للحصول على مزيد من الحرية الثقافية والسياسية.


وبين سنتي 1913 – 1914 اشترك نوري مع جماعة دعت نفسها بجماعة "العهد"، وكان من بين أعضائها بعض الضباط العرب. وفي السنوات الأولى من اشتراكه بهذه "الخلية" اعتبر نوري هذه الحركة أداة للحصول على الحكم الذاتي للعرب داخل الإمبراطورية على أسس اتحادية أو فيدرالية، وبعد مدة أدرك نوري بان جماعة "تركيا الفتاة" لن يتنازلوا عن أية امتيازات للعرب إذا استلموا الحكم. وبالإضافة إلى ذلك كان يعتقد أنه انضمت تركيا إلى جانب ألمانيا عند اندلاع الحرب كما كان محتملاً فإن الإمبراطورية لن يكتب لها البقاء. ولذلك فمنذ سنة 1914 كان نوري يدرك إدراكاً واضحاً بان عليه أن يعمل على استقلال العرب التام، ومنذ ذلك الوقت قطع علاقته بالماضي قلباً وقالباً.


وفي ربيع سنة 1914 اشتبه سادته الأتراك بما يفكر فيه، واستعدوا لإلقاء القبض عليه، إلا أن نوري عمل بسرعة. فقد ترك استانبول دون أن يشعر به أحد وأخذ طريقه إلى القاهرة، ومنها إلى البصرة، حيث اتصل فوراً بجماعة من الثوار العراقيين بقيادة السيد طالب النقيب، وهو رئيس إحدى الأسر السنية المتنفذة. وقبل أن يطول به المقام بالبصرة أصيب بمرض، فأدخل في مستشفى البعثة التبشيرية الأميركية.


الانضام الى الثورة العربية


وبعد اندلاع الحرب احتل البريطانيون البصرة فنقلوه إلى دار نقاهة في الهند بجوار بومبي، حيث بقي مدة تزيد على السنة كأسير حرب تركي، ولكن مع بعض الامتيازات. وقد تمتع كما يبدو بكل تلك الامتيازات ما عدا حرية تنقله بعيداً عن السقيفة التي كان مسجوناً فيها، ولم يكن يشكو إلا من الملل. وقرابة نهاية سنة 1915 فرح كثيراً عندما نقل من الهند إلى مصر، وهناك اشترك بحماسة مع العرب والبريطانيين الذين كانوا يضعون الخطط للثورة العربية. وكان ت. أ. لورنس أحد أعضاء هذه الجماعة. وفي 5 حزيران (يونيو) سنة 1916 أعلن استقلال العرب باسم الشريف حسين أمير مكة، وفي تموز (يوليو)، واستجابة للدعوة التي تلقاها من الملك حسين ترك نوري القاهرة إلى جدة، ومن هناك التحق بالثورة.


وان الحملات الصحراوية التي أثبت نوري سمعته الطيبة كقائد عسكري استمرت سنة ونصف سنة. فبعد انهيار دول الحلف المركزي، ومعها الحكم التركي على العرب، استمر نوري على شهرته بين الناس. وفي سنتي 1918 – 1919 راح نوري كرئيس أركان الأمير فيصل بن الحسين يتنقل بين لندن وباريس، يراقب عن كثب المناقشات المتعلقة بمستقبل العرب، وبعد هذه المحادثات بقي مع فيصل بضعة اشهر معظمها في سوريا. وفي خريف 1920، وبطلب من عديله جعفر باشا العسكري، الذي عين وزيراً للدفاع في العراق، عاد نوري إلى بغداد ليكون رئيساً لأركان جعفر. وعند وصوله إلى بغداد التقى بالمس بل التي رأته أول مرة، وسجلت عنه انطباعاتها التي كثيراً ما يتناقلها الناس. قالت: "في اللحظة التي رأيته أدركت بأن أمامنا قوة متينة مرنة، فأما أن نستعملها أو نشغل نفسنا بخصومات صعبة معها" وفي السنوات التي تلت ثبت بان تقديرها كان صحيحاً وبأن مشورتها كانت صائبة.


الباشا والعراق الحديث


وكان يوم 23 آب (أغسطس) 1921 يوماً سعيداً في حياة نوري، ذلك اليوم الذي تحققت فيه آمالة بتتويج فيصل ملكاً على العراق، وقد شعر الآن أنه اصبح حراً ليقف كل جهوده على بناء بلاده الفتية على أسس رصينة، وفي سنتي 1921 – 22 أخذ إجازة من الجيش ليقضيها في تنظيم الشرطة، وبعد ذلك قضى شطراً كبيراً من التسع سنوات التالية مركزاً جهوده على إنشاء الجيش وتأمين وسائل التدريب للضباط وتنظيم وزارة الدفاع، وكان خلال بعض هذه السنوات يشغل منصب وزير الدفاع. وفي 23 أيار (مايو) 1930 صار نوري رئيسا للوزراء في العراق للمرة الأولى. ثم تولى هذا المنصب ثلاث عشرة مرة قبل أن يكون رئيس وزراء الاتحاد العربي في آذار (مارس) 1955 وذلك قبل وفاته بشهرين.


وفي أثناء خدمة نوري الطويلة في الحياة العامة مرت على العراق أوقات عصيبة وغير مستقرة، بل كان بعضها عنيفاً. وفي الفترات التي لم يكن نوري فيها رئيسا لوزارة تسلم بعض المسؤوليات بالإضافة إلى وظيفته في مجلس الأمة. وقد كان وزيراً للدفاع عدة مرات، ووزيراً للخارجية بضعة مرات أيضاً، ولكن لم يكن هنالك بد من أن نجده في رئاسة الحكومة في الفترات الصعيبة بصورة خاصة، حين كان يستدعيه الملك أو الوصي أو ولي العهد على عجل لتسلم الحكم.


إن قائمة الأعمال التي حققها نوري في الحياة العامة طويلة ورائعة. وليس هذا هو المجال لتعداد تلك الأعمال أو وزنها بالتفصيل، وإنما ألفت إليها الانتباه ليكون واضحاً بأني عندما بدأت أعرف هذا الرجل كان قد سبق له أن مارس الكثير وعمل الكثير لبلاده وشعبه، واني حين عرفته كان قد ركز نفسه كشخصية قوية في العالم العربي. وسنبين بعض المراحل في حياته لنؤكد سعة خبرته واهتمامه. فإليه يرجع الفضل في تأسيس كلية الأركان سنة 1921. وكان رئيساً للوزارة سنة 1931 حين أعلنت خطة الأعمال الرئيسية للإعمار التي سبقت منهاج الإعمار الذي صار يديره بعدئذ مجلس الإعمار.


مثل نوري دوره في المباحثات التي أدت إلى إنهاء الانتداب البريطاني وإلى دخول العراق عصبة الأمم ، وكان هو المسؤول بصورة خاصة أكثر من اي شخص آخر عن إنهاء المعاهدة العراقية البريطانية سنة 1930، ونظم علاقات البلدين في اتفاقية خاصة في 4 نيسان (أبريل) 1955 على أسس أكثر واقعية وتوافقاً. وكان يطالب مراراً في اجتماعات اللجنة الاستشارية في الجامعة العربية بوطنية عربية صميمة بناءة. وقد كان ينادي باسم العالم الحر منذ سنوات سبقت تنظيم الدفاع عن النطاق الشمالي بواسطة ميثاق بغداد وذلك ضد الأصوات التي كانت تسيطر عليها موسكو.


لقائي الأول مع السعيد


بعد وصولي بغداد ببضعة أيام، سافر نوري إلى الشمال ليقضي اسبوعين يراقب فيها قطعات الجيش في مناوراتها السنوية، ولم اجتمع به إلا بعد عودته. وحين قمت بزيارتي الأولى لوزارة الخارجية لترتيب التفاصيل لقبولي وتقديم أوراق اعتمادي، شعرت حينذاك بمحضر هذا الرجل. وجدت وزير الخارجية موسى الشابندر يحادثه بالتلفون، وكان موضوع الحديث مساعداتنا بالأسلحة للعراق. والصدفة في إجراء هذا الحديث خلال زيارتي للوزير، تكشف أساليب نوري المباشرة والنموذجية، كما تكشف عن انهماك هذا الرجل بموضوع كان يتكرر في كافة مكالماتي معه للسنوات الأربع التالية.


من حديثي مع الوزير الشابندر علمت باتفاقية الأسلحة وإن كانت قد بدات منذ ستة اشهر، اي في الأيام الأخيرة لحكومة الجمالي، فإن نوري ملح على سرعة تسليم الأسلحة، وأنه ينتقد نوع التجهيزات التي كان العراق يحصل عليها. وكان يعتقد بان الاتفاقية حيوية إذا كانت غايتها مساعدة العراق. وكان يصر، ولاسيما في البداية، على تسليم الشحنات بسرعة، وأن تكون فيها أشياء مغرية أكثر من مجرد عجلات النقل. وكان يحتاج احتياجاً فورياً لبعض التجهيزات المهمة ليقوي مركزه بالنسبة للرأي العراقي العام. وحتى ذلك التاريخ لم يكن وصل إلا القليل إذا استثنينا بعض العجلات الآلية التي كانت تصل ببطء، وكان نوري يريد أن يعرف فيما إذا كان بالإمكان أن نفعل شيئاً لتحسين هذه الحال.


وحينما كنت لا أزال في واشنطن استعد لرحيلي إلى بغداد، علمت أن اللجنة العسكرية الاستشارية الأميركية في بغداد كانت تلح على واشنطن بالإسراع بتسليم الأسلحة، وذلك للقضاء على الانتقادات التي كانت تتكاثر بين القادة العسكريين العراقيين. وقد دعيت للحضور إلى مؤتمر عقد في وزارة الدفاع (البنتاغون) حيث دار بحث في هذه التوصية، وجرى توضيح أسلوب تقديم الطلبات للمعونة العسكرية. وهذه الأساليب كانت تستغرق وقتاً ولا يمكن اختصارها. وقد قيل لي بأن طلبات العراق ستلاقي كل الاهتمام، ولكن ضمن هذه التحديدات. وبعد هذا المؤتمر مباشرة اشترك معنا أثناء الغداء في "البنتاغون" موسى الشابندر الذي كان حينئذ سفيراً للعراق في واشنطن، وخلال الغداء بينت له القرارات التي اتخذت في الصباح مؤكداً على الضمانات التي أعطيت لي بهذا الشأن.


وبينما كنت أصغي إلى الشابندر في وزارة الخارجية العراقية، وهو يذكر شكاوى نوري، ذكرته بذلك اليوم في البنتاغون. وكان يصغي لي بانتباه عميق، إلا أنه أشار الى أنه لم يجد تلك الضمانات كافية، وبالرغم من كل ذلك فقد سألني وعلائم الشك على وجهه "أيمكن أن يكون هذا التأخير ناتجاً عن الاحتجاجات اليهودية؟".


بينت له بأن القضية ليست كذلك، وقلت له إن لا أساس لشكوكه وهكذا انتهت زيارتي الأولى لوزير الخارجية.
جريدة العالم



«عراق نوري السعيد»: انطباعات «ولدمار غلمن» آخر سفير أميركي في العهد الملكي (4)


- كان يصعب تحديد موعد مع السعيد لأنه كثير التنقل بين وزاراته


لدى تقديمي أوراق اعتمادي في 23 تشرين الأول (أكتوبر) حسب المنهاج المقرر كنت أنتظر من رئيس البروتوكول أن يرتب زيارتي الأولى لنوري، إلا أن نوري لم ينتظر لهذه المراسيم، فقد طلب أن يراني فور عودته من الشمال على أن أكون بمفردي، وقد أكد كثيراً على أن نتحدث نحن الاثنين دون سوانا وكان علي ان ألقاه في داره.


في دار الباشا


في بداية اجتماعاتنا علمت أن نوري كان يفضل القيام بأعماله في داره، حيث يتسنى له العمل بمفرده دون تدخل، وكان نوري في سنيه الأخيرة كثيراً ما يشتغل بمفرده، فقد وضع ثقته في بضعة أشخاص، كما كان يستشير بضعة أشخاص فقط. وكان كتوماً ولا يحب أن يراقبه أحد عن كثب، وهو لا يستعمل الوثائق في محادثاته، كما أنه لا يسجل محادثاته على ما يبدو، ولم تكن له هيئة تعمل معه سوى بضعة أفراد يلتفون حوله، ولم يكن ليحتاج إلى سجلات أو سكرتارية لينجز ما يريده، فكان يلقى ذلك كله معتمداً على ذاكرته الخارقة.


وقد وجدت المعاملة مع نوري في بيته معاملة مريضة جداً، ولم يكن يتصرف كرئيس وزراء إلا نادراً، وفي أغلب الأحيان كان يمثل وزير دفاع أو وزير خارجية. وإذا حدث أن عبر دجلة ودخل في قلب بغداد، فإنه يضطر حينئذ الى أن يتنقل بين الوزارات المختلفة، ويصبح من الصعب جداً تثبيت موعد للقائه، لذلك كنت أحاول أن أراه في الصباح في داره. وهنالك تجده حتماً وهو على وشك استقباله للزائرين. لقد كان دقيقاً في مواعيده، ويتوقع من الآخرين أن يكونوا كذلك. وقد كان قليل الصبر أيضاً، فحين يحدد موعداً لملاقاة أحد ما فإنه يستعد قبل ذلك الموعد بدقائق وهو متأهب يقف مملوءاً بالنشاط، وكان كذلك حين لاقيته لأول مرة حين كان ينتظرني على باب داره.


السعيد كما رأيته


وكان نوري صغير البنية إلا أنه أكبر من الصور التي رأيتها له في عهد حياته العسكرية. وكانت ملامح وجهه أخاذة وصميمية، وكان كثير الابتسام، وكانت عيناه تشعان بالذكاء واليقظة بصورة مستمرة، تحيط بها خطوط ثقيلة تشير إلى حياته المليئة بالمتاعب، وكان ودياً في حديثه يرفق كلامه بطقطقة مستمرة من مسبحة الكهرب، تلك المسبحة التي يستعملها المسلمون المتدينون والتي كثيراً ما يستعملها العرب أثناء الحديث.


وفي أثناء حديثه واستعماله مسبحته كان لا ينسى أن يقدم بين حين وآخر بعض الحلويات الملونة من علبة معدنية كنت أجدها دائماً على مائدته، وعلى النقيض من تلك المسبحة والحلويات الملونة كنت تجد دائماً مسدساً في غلاف جلدي يحتفظ به قريباً منه. يذكره بالخطر الذي يهدد حياته بصورة دائمة.


وهنالك عامل اخر يستحق الذكر في شخصيته، وهو الصمم المصاب به. فحين واجهته لأول مرة لم يكن ذلك الصمم ملحوظاً، إذ لم يظهر أنه كان يجد صعوبة في تتبع ما كان يقال. ولكن في السنوات الأخيرة، وفي اجتماعاتنا كان يلبس آلة يستعين بها على السمع في بعض الأحيان. وفي ذلك الوقت بالذات انتجت شركة أميركية آلة تساعد على السمع من أصغر الأنواع وأحسنها، وقد قرر أصدقاء نوري في السفارة أن يقدموا له واحدة منها. وتوليت بنفسي تقديمها إليه. وقد تحفظت بادئ ذي بدء من هذه الفكرة، إذ تصورت أن نوري قد يشمئز من هذه الهدية التي قد تشير إلى أنه لا يستوعب بعض النقاط الحسنة التي كنت أنقلها إليه في أحاديثي معه. إلا اني لم أتردد، لأن نوري كان يفهم الأمور. وأقنعت نفسي بأنه سيتسلم الهدية بنفس الروح التي أقدمها بها كهدية. وفعلاً تصرف نوري كما توقعت، وكان شاكراً التفاتة أصدقائه وتسلم الهدية بحماسة كحماسة الأطفال حين تقدم لهم لعبة جديدة، وأخذ فوراً وبحضوري يجرب هذه الآلة الصغيرة اللطيفة.


السعيد يطلب العون


لم يكن من السهل بتاتاً أن أقدر مدى صممه، إذ كان يستعمل هذه الآلة في بعض الأوقات، حينما يحلو له ذلك. وكان في بعض الأحيان يسمع كل شيء بوضوح، وفي بعض الأحيان لا يسمع إلا بعضاً من الحديث. وكانت هناك أوقات لا تلتقي أفكارنا بتاتاً. وفي ذلك اللقاء الأول لم يضع نوري وقتاً، فقد رحب بي بحرارة وباختصار، وأخذني بسرعة إلى غرفة عمله ودخل في الموضوع فوراً ليبدي ما كان يجول بخاطره، فذكر أنه راقب تمارين القطعات العسكرية لمدة أسبوعين ولمس حاجتها الطارئة إلى بعض الدبابات لإتمام التمارين. وقال لي إن الحد الأدنى الذي يطلبه هو ست دبابات وإذا زادت عن ذلك فإنها ستساعد بصورة أفضل. ولكن المهم هو إرسالها حالاً.


وبعد أن أبدى حاجته الملحة والتي كانت حاجة معقولة استمر في حديثه في تقدير طاقة العراق على مساعدة نفسه. وقد تبين بأن هذا الموضوع موضوع جدي، فإن ما كان يصرفه العراق من منابعه الخاصة على الأسلحة يمثل أقصى ما يستطيع تأمينه. وإذا شعرت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بان على العراق أن يصرف أكثر من هذا فعليهما أن تؤمنا المال اللازم منهما أو من أحدهما. فالعراق إذا أراد أن يصرف مبالغ إضافية على الأسلحة مضطر على أخذه من المبالغ المخصصة للنواحي الحيوية والصحية العامة والمعارف، وهذا ما لا يستطيع عمله بتاتاً.


وإذا دعي الجيش العراقي لكي يقاتل بما لديه من سلاح، فإنه سيفعل ذلك بجدارة، ولكن لا بد أن تسليحه الضعيف سيؤثر في قابليته على القتال، فإذا أرادوا أن يلعب العراق دوره في الدفاع عن المنطقة، فلا بد من تجهيز قواته بالمعدات الحديثة. وقد قدر نوري المبلغ اللازم بخمسين مليون جنيه استرليني، ولا فرق لديه فيما إذا أمنت تلك الاحتياجات البعيدة المدى منا نحن الأميركان أو من الإنكليز.
[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://raheb-iraq.yoo7.com
 
قصة حقيقية من تأريخ الجزء الثاني سلالة نوري السعيد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شبكة احرار الرافدين المستقلة :: الرقيب السياسي-
انتقل الى: